بين الوعد والخيبة
قراءة نقدية في تحوّل الموقف السياسي للنائب الياس جرادي
شكّلت انتفاضة 17 تشرين لحظة مفصلية في الوعي السياسي اللبناني، حيث خرج آلاف المواطنين رفضاً لمنظومة الحكم، مطالبين بدولة قانون، وسيادة كاملة، ومحاسبة فعلية. في تلك اللحظة، وُلدت آمال كبيرة لدى الناخبين بأن من يعبّر عن روح الانتفاضة داخل المؤسسات سيبقى وفياً لمبادئها، لا سيما في ما يتعلّق بالسيادة، ورفض السلاح خارج إطار الدولة، واستقلالية القرار الوطني.
من هذا المنطلق، يرى عدد من الناخبين والناشطين أن المسار السياسي الذي سلكه النائب الياس جرادي لاحقاً أثار تساؤلات جدّية، وولّد خيبة أمل عميقة لدى شريحة كبيرة ممن منحوه ثقتهم. فبحسب منتقديه، بدا أن مواقفه السياسية ابتعدت تدريجياً عن الشعارات التي رُفعت في ساحات 17 تشرين، واتجهت نحو خطاب أقرب إلى تبرير واقع السلاح خارج سلطة الدولة، وهو ما يتناقض، برأيهم، مع أحد أعمدة مشروع الدولة المدنية التي نادت بها الانتفاضة.
ويعتبر معارضو هذا التوجّه أن الإشكالية لا تكمن فقط في تبدّل المواقف، بل في محاولة إعادة إنتاج منطق الاصطفاف السياسي نفسه الذي ثارت عليه 17 تشرين. فالدفاع عن “معادلات الأمر الواقع”، أياً كان مبرّرها، يُنظر إليه على أنه مساهمة غير مباشرة في تعطيل مشروع بناء الدولة، وإبقاء القرار الوطني رهينة توازنات خارج المؤسسات الدستورية.
في سياقٍ موازٍ، تُوجَّه انتقادات سياسية إلى دور النائب جرادي الذي يحاول لعبه داخل الأوساط اليسارية والتغييرية، لا سيما في ما يتعلق بالحزب الشيوعي اللبناني. إذ يرى بعض الناشطين والشيوعيين أن تحركاته ومواقفه هي محاولة لإحداث شرخ بين القاعدة الحزبية وقيادتها، بدل المساهمة في نقاش داخلي ديمقراطي يهدف إلى تطوير الموقف السياسي للحزب في مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد.
كما يذهب منتقدو جرادي إلى اعتبار أن محاولاته لم تقتصر على الإطار الحزبي، بل انسحبت أيضًا على المشهد المعارض داخل البيئة الشيعية، حيث تُطرح تساؤلات حول جدوى التحالف معه بعدما أصبح متماهياً ومنغمساً مع الثنائي الشيعي، فيما يراها آخرون أنها محاولات لتفتيت أي معارضة جدّية وموحّدة قادرة على إنتاج خطاب سيادي واجتماعي واضح.
إن النقد السياسي، في نهاية المطاف، ليس إدانة شخصية، بل هو حق ديمقراطي وواجب عام، خصوصًا عندما يتعلّق الأمر بممثلي الناس في البرلمان. ومن حق الناخبين أن يسائلوا من انتخبوهم، وأن يعيدوا تقييم التجربة على ضوء الأفعال لا النوايا. فـ17 تشرين لم تكن مجرّد لحظة غضب عابرة، بل مشروعًا سياسيًا وأخلاقيًا، وأي خروج عن هذا المشروع، مهما كانت مبرراته، سيبقى موضع مساءلة ونقاش في الفضاء العام.
