يعيش الجنوب اللبناني اليوم واحدة من أشدّ لحظات تاريخه قسوة ومرارة، حيث يجد أبناؤه أنفسهم أمام واقع مأساوي ونكبة حقيقية طالت البشر والحجر. بين مشاهد الدمار الهائل الذي ألحقته الآلة العسكرية الإسرائيلية بالقرى والبلدات النائية والحدودية، وبين تشريد مئات الآلاف من العائلات التي فقدت جني أعمارها، تتكشف أبعاد أزمة عميقة لم تعد تقتصر على المواجهة العسكرية مع الاحتلال، بل تمتد إلى عمق الخيارات السياسية والوطنية التي فرضت على المنطقة.
في هذا السياق المأزوم، جاءت زيارة رئيس الحكومة اللبنانية يوم الجمعة، 2 أكتوبر 2026، إلى مدينة النبطية للاطلاع ميدانياً على أحوال الجنوبيين ومعاناتهم. لم تكن هذه الزيارة محطة بروتوكولية، بل حملت رمزية إعادة تذكير بضرورة حضور الدولة ومؤسساتها في قلب الجنوب، خاصة بعد أن دفع المواطنون ثمن حروب الإسناد والارتباط بالمشاريع والإملاءات الإقليمية ومفهوم \”وحدة الساحات\” الذي أرهق لبنان وأخرجه من غطاء مظلته الوطنية الجامعة.
صدمة الواقع وتبدد المراهنات
لقد أدى السلوك السياسي والعسكري المتمثل في زجّ المنطقة في حروب متعاقبة إلى نتائج كارثية؛ قتلى وجرحى، وتدمير للبنية التحتية، ومسح لمظاهر الحياة في عشرات القرى الحدودية، فضلاً عن المخططات العدوانية الإسرائيلية التي تستغل هذه الذرائع لتطبيق سياسات التدمير والتهجير. وأمام هذا التداعي السريع للأوضاع، بدأت تتشكل لدى الشارع الجنوبي قناعة راسخة بأن التضحيات اليومية لم تعد تصبّ في مجرى حماية الوطن بقدر ما تُوظف لحسابات خارجية لا تراعي المصالح الحيوية للبنان ولا لأبنائه.
صوة الحرية يستعيد المبادرة
نتيجة لهذا الواقع المرير، برزت تحولات جليّة داخل البيئة الحاضنة نفسها. لم يعد القهر يُقابل بالصمت، بل بدأت ترتفع أصوات جنوبية وطنية حرّة ومستقلة — تضمّ في صفوفها شخصيات وقامات كان لها تاريخ عريق في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي والدفاع عن الأرض قبل عام 2000 — لتعلن بصوت واضح:
-
ضرورة بسط سلطة الدولة اللبنانية على كافة أراضيها دون استثناء.
-
حصر السلاح والقرار العسكري والأمني بيد المؤسسات الشرعية والجيش اللبناني.
-
رفض منطق \”الدويلة\” وإعادة الاعتبار للمفهوم الجامع للمواطنة والمصلحة الوطنية العليا.
هذه الأصوات المنطلقة من قلب المأساة تشكل تحولاً مفصلياً، لأنها تعبر عن وجع الناس المباشر وتفند الادعاء باحتكار تمثيل الجنوبيين أو اختزال تطلعاتهم في خيار سياسي واحد.
حملات التخوين ومحاولات الكمّ
أمام هذا الحراك الفكري والسياسي المتصاعد الذي يهدد أحادية السيطرة والهيمنة، لجأت الأبواق الإعلامية والمنصات التابعة لمنظومة النفوذ إلى أسلوبها التقليدي: الشتائم، والتخوين، والتشكيك بوطنية كل من يرفع صوته مطالباً بالدولة. وتُمارس هذه الحملات لمحاصرة أحرار الجنوب ومحاولة إرهابهم فكرياً وسياسياً، وتغييب الأصوات العقلانية التي تطالب بالخروج من دوامة الدمار والارتباط بالإملاءات الخارجية.
إعادة بناء المعادلة الوطنية
إن ما يشهده الجنوب اليوم يسلط الضوء على حقيقة لا يمكن تجاوزها: لا حماية للجنوب ولا قيامة للبنان إلا من خلال الدولة الوطنية العادلة والقوية. إن كسر حاجز الخوف والتعبير الصريح عن رفض التبعية والإصرار على سيادة القانون وحصرية السلاح بيد الشرعية، يمثل البداية الحقيقية لإنقاذ ما تبقى، وبناء مستقبل يستند إلى صون كرامة المواطن الجنوبي وحماية أرضه تحت مظلة علم الوطن ومؤسساته الرسمية.

