في أوقات الأزمات والحروب، تُقاس رصانة الخطاب الإعلامي بمدى قربه من وجع الناس ومواساته لآلامهم. إلا أن ما شهدته وسائل التواصل الاجتماعي مؤخراً على خلفية المنشور الأخير للإعلامية سحر غدار، أظهر شرخاً عميقاً بين الرواية التبريرية التي يحاول الإعلام الحزبي تقديمها، وبين الواقع الأليم الذي يعيشه أهل الجنوب اللبناني النازحون.
الخفة في التعامل مع الكارثة
كتبت غدار منشوراً قاربت فيه احتمال احتلال \”100 ضيعة بدلاً من 50 أو 60\” باعتباره تفصيلاً يمكن تجاوزه في سبيل \”تاريخ الانتصارات\”. هذا التبسيط الشديد لخسارة الأرض وتدمير القرى وهدم أرزاق المواطنين، أثار موجة غضب عارمة وواضحة، خصوصاً بين أبناء الجنوب الذين يكتوون اليوم بنار النزوح والتشرد. لم يكن الرفض موجهاً فقط للشعار السياسي، بل للانعدام التام للتعاطف الإنساني؛ فبالنسبة لمن فقد بيته وأرضه، لا يمكن التعامل مع قريته كرقماً يُضاف إلى لائحة \”الخسائر التكتيكية\”.
بين الأجندة الإقليمية والمصلحة الوطنية
يرى كثير من المتابعين والرأي العام اللبناني أن المنشور لم يكن شطحة قلم فردية، بل يعكس نهجاً إعلامياً يُحاول التغطية على نتائج خيارات سياسية وعسكرية معقدة. إن إصرار حزب الله على ربط مصير الجنوب بشرارة الأزمات الإقليمية وتنفيذ أجندات تخدم الحرس الثوري الإيراني، أدى بالنهاية إلى وضع الجنوب وأهله في مواجهة آلة دمار إسرائيلية دون أي غطاء حماية وطني أو رسمية للدولة.
إن التمسك بقرار السلاح خارج أطر الدولة اللبنانية ومؤسساتها الشرعية، لم يجلب الحماية المدعاة، بل أسفر عن نكسة جديدة تُضاف إلى تاريخ المتغيرات المؤلمة التي تدفع ثمنها البيئة المضيفة والمجتمع اللبناني بكامله.
الوطن إنسان قبل أن يكون خطابات
تتجاوز المشكلة اليوم حدود السجال السياسي المعتاد؛ فهي مسألة أخلاقية بالدرجة الأولى. فالشعوب لا تُقاس قدرتها على التحمل بقدرتها على تحمل الخراب نيابة عن غيرها، والانتصارات التي تُبنى على أنقاض البيوت المهدومة وتهجير العائلات تتجرد من قيمتها الإنسانية والوطنية.
لقد وجه الشارع الجنوبي واللبناني رسالة صريحة عقب هذا المنشور: المصلحة الوطنية وكرامة المواطن وحقه في الحياة والآمان هي الخط الأحمر الأساسي، وليست مجرد بيادق في رقعة الشطرنج الإقليمية. إن المطلوب اليوم هو العودة إلى منطق الدولة، والاعتراف بحجم المأساة، والتوقف عن تسويق الخسائر الإنسانية الفادحة على أنها مجرد جولات في معارك لا تنتهي.

