تختزن الذاكرة السياسية اللبنانية والإقليمية محطاتٍ فاصلة تركت ندوباً عميقة في وجدان الشارع اللبناني والسوري؛ بدءاً من التداعيات التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، مروراً بأحداث السابع من أيار/مايو 2008 وما شهدته العاصمة بيروت من فرض لواقع سياسي بحد السيف، وصولاً إلى الانخراط العسكري الواسع في الأزمة السورية لإسناد السلطة السياسية هناك.
لم تكن هذه المحطات مجرد أحداث عابرة، بل شكلت تراكمات سياسية وأمنية أنشأت حالة من الفجوة البنيوية بين الحزب وشريحة واسعة من القوى الوطنية والمكونات المجتمعية اللبنانية.
أولاً: أزمة القراءة الواقعية للتغيرات الجيوسياسية
يرى القارئ المنصف لمسار التحولات في المنطقة أن الرهان على الأدوات والمفاهيم نفسها التي سادت خلال العقدين الماضيين لم يعد ممكناً أو مجدياً؛ فالواقع الراهن يفرض معطيات جغرافية وسياسية جديدة:
-
تغير البيئة الإقليمية: لم تعد التحالفات الإقليمية تعمل بالمرونة والفاعلية ذاتهما التي أتيحت لها سابقاً، وسط تغيّر الاستراتيجيات الدولية وتصاعد الكلفة السياسية والاقتصادية على القوى الحليفة.
-
الضغوط السيادية والوطنية: يتزايد الحراك السياسي والوطني الداخلي المطالب بحصر قرار الحرب والسلم والسلاح ضمن أطر الدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية الرسمية.
ثانياً: خطورة المواجهة مع مفهوم «الدولة»
إن المراهنة على فائض القوة أو التلميح الخفي والعلني بإمكانية التعطيل في الشارع يضع البلد أمام مخاطر وجودية:
-
تعطيل مؤسسات الدولة: إضعاف هيبة المؤسسات والدستور لصالح معادلات الأمر الواقع يقلل من فرص قيام اقتصاد متين ويستنزف قدرة الدولة على التفاوض وإدارة أزماتها.
-
ضرب الشراكة الوطنية: إن استمرار فرض الرؤى الأحادية بالسلاح أو بالتعطيل المؤسساتي يوسع الشرخ الأهلي، ويحول دون الوصول إلى شبكة أمان اجتماعية وسياسية جامعة.
ثالثاً: ضرورة المصارحة والمراجعة النقدية
تقتضي المسؤولية الوطنية والسياسية أن تشهد البيئات القيادية في الحزب قراءة جادة ومتوازنة للواقع اللبناني والإقليمي، تتلخص في النقاط التالية:
«إن قوة أي تنظيم سياسي أو عسكري في الداخل اللبناني لا تُقاس بحجم ترسانته أو نفوذه الميداني، بل بقدرته على الاندماج في مشروع الدولة، واحترام التنوع الكياني، وتغليب المصلحة الوطنية العليا على الحسابات العابرة للحدود.»
-
فصل المسارات: التفريق الحاسم بين متطلبات الدفاع عن الأراضي اللبنانية وفق استراتيجية دفاعية تملكها الدولة، وبين التزامات المحاور الإقليمية.
-
الاحتكام إلى الدستور: التراجع عن أدوات الضغط الميداني والسياسي، والقبول التام بقواعد اللعبة الديمقراطية والتداول السلمي للقرار داخل أجهزة الدولة.
الخلاصة
لقد أثبتت التجربة التاريخية للبنان أن أي محاولة لفرض إرادة فئة بالاستناد إلى السلاح تُدخل البلاد في حلقاتها الفارغة وتستنزف الجميع بلا استثناء. والمطلوب اليوم ليس ردات فعل موقتة، بل شجاعة سياسية في المراجعة والمصارحة الداخلية، تُعيد بناء الثقة بين جميع المكونات اللبنانية، وتضع حداً للرهانات المتغيرة التي تدفع لبنان مراراً إلى الحافة.



